عبد الفتاح عبد المقصود

29

في نور محمد فاطمه الزهراء

فإن يكن عجباً من العجب - وانّهم لإخوة ورفاق - أن يقع بينهم ما وقع ، وينشب ما نشب ، فأعجب منه وأمعن في العجب أن تكون ذريعتهم إلى اللدد « 1 » والشقاق هذه الكعبة ، وإنّها لرمز سلام ووفاق ! لكن الأغرب المستنكر غلب الأوْلى المنتظر ، والمحال اقتحم واقع الحال . * * * وهذه هي بداية الأمر كلّه : الجمر أحمر ، ومض « 2 » وتلألأ كحصوص « 3 » الياقوت ، احترق عليه الصندل « 4 » والعود ، تعالت من المجمرة سحائب البخور ، تردّدت أنفاس المسك والعنبر ، امتلأ الجوّ بنفح الطيب . فثمّة امرأة رأت على نفسها حقّاً لبيت اللَّه أن تبخّره ، إنّها تطوف بمجمرتها ، في أرجائه ، هنا وهناك ، لا تمرّ منه بموضع إلّاغسلته بأريج العطر الذي ينفثه الجمر . وكانت تتحرّك كأنّها في حلم ، كانت كسابحة على الهواء ، خفيفة كطيف ، نعسانة الخُطى كنسمة صيف . سحائب البخور تلتفّ حولها التفاف ثوب شفّاف ، والدخان الرقيق ينبثق من بين الرماد المتوهّج انبثاق ينبوع ، ثم يتلوّى كجدول يحاول تياره الحائر أن يجد لنفسه منفذاً بين الصخور ، ثم ينعقد براعم براعم ، وعناقيد عناقيد ، ثم تنفرط العناقيد انفراط حبّ وثمار ، وتتفتّح البراعم عن زهر ونوار « 5 » . ثم تنساح هذه وتلك ، وهي ترفّ وتشفّ ، حتّى لتغدوا بلون السماء الشهلاء ساعة ميلاد النهار . * * *

--> ( 1 ) . اللَدَد : الخصومة الشديدة . ( 2 ) . وَمَضَ : لمع خفيفاً . ( 3 ) . الحُصُوص والأحصاص : جمع حُصّ ، وهو اللؤلؤة . ( 4 ) . الصَنْدَل : جنس شجر هندي ، خشبه طيّب الرائحة ، مرغوب فيه . ( 5 ) . النَوَار : الزهر الأبيض منه .